عندما تصل إلى الإدارة شبهة احتيال في المشتريات، يكون القرار الأصعب أحيانًا هو التمهل. فالتحقيق في احتيال المشتريات وحفظ الأدلة في الأيام الأولى يحددان إلى حد بعيد ما إذا كانت النتائج ستصمد أمام لجنة تأديبية أو جهة رقابية أو محكمة. تعرض هذه المقالة أنماطًا مجهولة الهوية نراها عادةً في هذا النوع من القضايا داخل القطاع المالي، ثم تقترح خطة للأسبوعين الأولين.
هذه الأنماط عامة وليست قصة مؤسسة بعينها، وقد تختلف تفاصيلها من جهة إلى أخرى.
الإشارات المبكرة التي تتكرر
تجزئة أوامر الشراء
النمط الأكثر تكرارًا هو تقسيم عملية شراء واحدة إلى أوامر متعددة، كل منها دون الحد الذي يستلزم منافسة أو اعتمادًا أعلى. وغالبًا ما تظهر الأوامر في الفترة نفسها ولدى المورد نفسه ولصالح الإدارة الطالبة نفسها، وبأوصاف متقاربة للبنود. وفي المصارف وشركات التمويل يظهر ذلك عادةً في الخدمات المساندة والاستشارات والصيانة والتقنية، لأن قيمة الخدمة فيها يصعب قياسها بسرعة.
موردون مرتبطون بموظفين
الإشارة الثانية هي مورد تتقاطع بياناته مع بيانات موظف: عنوان أو رقم هاتف أو حساب بنكي أو سجل تجاري أو شخص مفوض بالتوقيع. وقد تكون الصلة غير مباشرة، كقريب أو شريك سابق، ولذلك لا تكفي المطابقة الحرفية وحدها. كما يتكرر أن يكون المورد قد أُدرج في قاعدة الموردين بإجراءات مختصرة أو بموافقة استثنائية.
اعتمادات تقع تحت حدود الصلاحية
الإشارة الثالثة هي تركّز الاعتمادات عند أقصى ما تسمح به صلاحية معتمد بعينه. وحين تتكرر قيم قريبة من الحد، فهذا يدل في الغالب على أن من أعدّ الطلب يعرف الحد جيدًا ويعمل حوله. ويزداد وزن الإشارة إذا اجتمعت مع التجزئة أو مع مورد مرتبط.
إشارات داعمة
- استلام الخدمة دون محاضر أو مخرجات يمكن التحقق منها.
- فواتير تُسدَّد بسرعة غير معتادة أو خارج دورة الدفع المعتمدة.
- تعديلات على بيانات المورد البنكية قبيل الدفع مباشرة.
- موظف لا يأخذ إجازاته أو يحتفظ وحده بعلاقة المورد.
لا تثبت أي من هذه الإشارات الاحتيال منفردة، فلكل منها تفسير مشروع محتمل. قيمتها أنها تحدد أين يبدأ التحليل.
الخطأ الذي يضعف القضية: التعامل مع الأدلة مبكرًا
في الميدان، لا تضعف القضايا غالبًا بسبب غياب الأدلة، بل بسبب ما جرى لها قبل أن يبدأ التحقيق الفعلي. ومن الأخطاء المتكررة:
- مواجهة المشتبه به أو سؤاله بصورة غير رسمية قبل تأمين السجلات.
- طلب بيانات من الأنظمة عبر مستخدمين عاديين فتتغير بيانات الوصول أو تُنشأ نسخ غير موثقة.
- إعادة تهيئة جهاز موظف أو إعادة توزيعه، أو إيقاف حسابه دون أخذ نسخ سليمة.
- تداول الشبهة في رسائل واسعة التوزيع فيتسرب الخبر ويُتلف المعنيون ما لديهم.
- جمع الأدلة دون تسجيل من حازها ومتى ونُقلت إلى من.
كل خطأ منها يمنح الطرف الآخر حجة للطعن في سلامة الدليل، حتى لو كانت الوقائع نفسها صحيحة.
خطة الأسبوعين الأولين
الأيام الأولى: الاحتواء وتأمين الأدلة
تبدأ الخطة بتحديد النطاق: ما الفترة، وما الموردون، وما الإدارات، ومن الأشخاص المحتمل ارتباطهم. وبعد ذلك يأتي حفظ الأدلة قبل أي مقابلة. ومما يجب تأمينه:
- سجلات نظام المشتريات والمدفوعات، بما فيها سجل التعديلات ومن أجراها ومتى.
- ملف المورد الكامل: وثائق التسجيل والتأهيل وتعديلات البيانات البنكية.
- سجل الاعتمادات ومصفوفة الصلاحيات السارية وقت كل عملية.
- البريد الإلكتروني والمراسلات ذات الصلة، وفق ما تسمح به السياسات والنظام.
- الأجهزة والحسابات المرتبطة بالأشخاص المعنيين، بنسخ موثقة لا بتصفح مباشر.
- سجلات الدخول والصلاحيات الخاصة بأنظمة المشتريات والمالية.
ولكل دليل سجل حيازة يبين من استلمه ومتى ومن أين ولأي غرض. ومن الحكمة تقييد الاطلاع على التحقيق بقائمة قصيرة محددة بالاسم.
من يجب إبلاغه
يُبلَّغ في البداية عدد محدود: رئيس المراجعة الداخلية أو من يتولى التحقيق، والشؤون القانونية، والموارد البشرية بالقدر اللازم للإجراءات الوظيفية، ولجنة المراجعة أو من يمثل الحوكمة العليا بحسب سياسة المؤسسة. ويُنظر مبكرًا في التزامات الإبلاغ للبنك المركزي السعودي (ساما) بموجب إطار مكافحة الاحتيال للمؤسسات المالية الخاضعة لإشرافه (SAMA CFF)، فالإطار يتوقع من المؤسسة حوكمة واضحة لمواجهة الاحتيال وإجراءات موثقة للتعامل مع الحالات المشتبه بها وإبلاغ الجهة الإشرافية عنها. وينبغي أن تراجع الشؤون القانونية النص الدقيق للتعميمات السارية لتحديد ما يستوجب الإبلاغ وتوقيته.
الأيام الوسطى: التحليل
بعد التأمين يبدأ تحليل العمليات والسجلات والأدلة الرقمية. ويشمل ذلك مطابقة بيانات الموردين مع بيانات الموظفين، وتحليل تواريخ الأوامر وقيمها لكشف التجزئة، وفحص توزيع الاعتمادات على المعتمدين، وتتبع المدفوعات إلى الحسابات المستفيدة. والهدف تكوين صورة موثقة تحدد ما يحتاج إلى سؤال وما لا يحتاج.
متى تبدأ المقابلات
تأتي المقابلات بعد التأمين وبعد تحليل أولي يكفي لصياغة أسئلة محددة، وليس قبلهما. وعادةً تُبدأ بالشهود الذين يعرفون الإجراءات ولا يُشتبه بهم، ثم بمن لهم صلة مباشرة، وأخيرًا بالأشخاص المحتمل تورطهم. وتُوثَّق كل مقابلة بمحضر، ويراعي إعدادها حقوق الموظف وما تقتضيه سياسات الموارد البشرية والنظام. وتُحسم مسبقًا مع الشؤون القانونية مسائل الحضور والتسجيل وما يمكن إبلاغ الموظف به.
نهاية الأسبوع الثاني: أول تقدير
في ختام الأسبوعين يكون بالإمكان تقدير أولي للنطاق والمبالغ المحتملة وضعف الضوابط الذي أتاح الواقعة، وتحديد الإجراءات الوقائية العاجلة كإيقاف مورد أو تعديل صلاحية، دون أن يُعدّ ذلك استنتاجًا نهائيًا.
ما وراء الواقعة: الضوابط والأسباب الجذرية
التحقيق الجيد لا يكتفي بتحديد من فعل ماذا. فالسؤال الذي يعنيه كذلك هو لماذا لم تكشف الضوابط الأمر مبكرًا: حدود صلاحية لا تراقب التجزئة، أو تأهيل موردين لا يفحص التعارض، أو فصل مهام ناقص. وهذه الخلاصات هي ما يحمي المؤسسة من تكرار الواقعة، وهي ما يتوقع إطار ساما أن تعالجه المؤسسة ضمن منظومتها لمكافحة الاحتيال.
كيف يمكن أن نساعد
يقدم سيزو خدمة التحقيق في الاحتيال والمحاسبة الجنائية، وهي تحقيق مستقل في حالات الاحتيال الداخلي أو الخارجي المشتبه بها، مع تعامل مع الأدلة يصلح للإجراءات التأديبية والرقابية والقانونية. يبدأ العمل بالاحتواء: تحديد النطاق وحفظ الأدلة وحماية التحقيق، ثم تحليل العمليات والسجلات والأدلة الرقمية، ثم المقابلات وتقصي الحقائق. وتشمل المخرجات تقرير التحقيق وملف الأدلة وتوصيات لمنع التكرار. ويقتصر الاطلاع على أشخاص محددين، ولكل دليل سلسلة حيازة موثقة. ويمكن عادةً البدء خلال يوم إلى يومي عمل من التعاقد، وأسرع في الحالات العاجلة.
وإن كنتم تفضلون معرفة مواضع الضعف قبل وقوع الواقعة، فيمكن البدء بتقييم الاحتيال الذي يقيس المخاطر وفق إطار مكافحة الاحتيال من البنك المركزي السعودي.
